مستقبل الاقتصاد الخليجي في ظل الأزمة المالية العالمية
طلعت زكي حافظ تزامن انعقاد الدورة التاسعة والعشرين لقمة مجلس التعاون الخليجي بمسقط خلال الفترة 29 - 30 كانون الأول (ديسمبر) 2008، مع ظروف مالية واقتصادية عالمية استثنائية صعبة، بسبب أزمة الرهونات العقارية العالمية، التي ضربت بأطنابها شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه، هذا إضافة إلى ما شهدته أسعار النفط العالمية من تدهور شديد في الأسعار خلال الفترة الأخيرة تجاوزت نسبتها الـ 70 في المائة.
الظروف المالية والاقتصادية الاستثنائية الصعبة وكما أسلفت، التي يمر بها الاقتصاد العالمي، ضاعفت من مهمة قادة دول مجلس التعاون، الرامية للارتقاء بأداء الاقتصاد الخليجي من جهة، وتجنيبه من أن يكون عرضة للتأثر المباشر بتداعيات تلك الأزمة من جهة أخرى، وكما هو واقع الحال بالنسبة للعديد من اقتصادات دول العالم، التي منيت بخسائر مالية كبيرة، نتيجة لتأثرها المباشر بإفرازات تلك الأزمة، التي قد عصفت بمقدرات وبمكتسبات العديد من أسواق المال العالمية، وتسببت في إفلاس عدد كبير من الشركات والمؤسسات المالية العملاقة، مثال بنك ليمان براذرز بأمريكا، والمجموعة الأمريكية الدولية aig.
من هذا المنطلق استحوذ اهتمام وتركيز القادة المجتمعون بقمة مسقط الدفع بخطوات مسيرة تكامل الاقتصاد الخليجي قدماً إلى الأمام، والإسراع في استكمال الملفات الاقتصادية العالقة، ولاسيما أن التكامل الاقتصادي لدول المجلس، سيجنب اقتصاديات دول المجلس من أن تكون عرضة لتداعيات الأزمة، وبالذات في حال لو نجحت في تفعيل مراحل التكامل الاقتصادي الأربعة بالشكل المرجو والمنشود، المتمثلة في إقامة منطقة تجارة حرة، ثم قيام الاتحاد الجمركي، ثم قيام السوق الخليجية المشتركة، وأخيراً تطبيق الاتحاد النقدي والعملة الموحدة.
رغم الإنجازات الاقتصادية التي تحققت في دول مجلس التعاون الخليجي في مجال التكامل الاقتصادي، منذ إنشاء المجلس في عام 1981، وفقا للمادة الرابعة من نظامه الأساسي، التي تنص على تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى الوحدة الخليجية، إلا أن تلك الإنجازات المتمثلة في إقامة منطقة التجارة الحرة في عام 1983، ثم الاتحاد الجمركي في الأول من كانون الثاني (يناير) 2003، ثم قيام السوق الخليجية المشتركة في مطلع العام الماضي 2008، برأي عدد كبير من الاقتصاديين والمختصين في شؤون التكامل الاقتصادي، غير كافية للوصول للوحدة الاقتصادية المنشودة، وتحقيق التكامل الاقتصادي بشكله المستهدف، وبالذات في ظل تفاقم حدة الأزمة المالية العالمية وتهاوي أسعار النفط العالمية، التي ـ كما أسلفت ـ قد وصلت إلى مستويات متدنية جداً مقارنة بما كانت عليه في تموز (يوليو) من العام الماضي 2008.
لعل ما يؤكد أن مسيرة التكامل الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي لا تزال بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود المرتبطة بتسريع اكتمالها، أن الاتحاد الجمركي الخليجي، على الرغم من تحقيقه نتائج باهرة منذ انطلاقته في عام 2003، مقارنة بالفترة قبل قيامه، بتسجيله ارتفاعا ملحوظا في حجم التبادل التجاري بين دول المجلس بأكثر من 20 في المائة في كل عام خلال سنوات الاتحاد، مقارنة بما كان عليه قبل الاتحاد بنحو 7.5 في المائة، إلا أن الاتحاد لا يزال يواجه بالعديد من المعوقات الإدارية والإجرائية والتنظيمية، التي تعيق انسياب البضائع بين دول المجلس بالسهولة المطلوبة، التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر، وجود اختلاف بشأن كيفية احتساب القيمة الجمركية، وإفراط بعض المنافذ الجمركية في إجراءات تفتيش البضائع ومعاينتها، إضافة إلى تعقيد بعض إجراءات العبور بين دول المجلس بسبب المواصفات والمقاييس، حيث يشترط البعض منها عدم الإفراج عن البضائع إلا بضمان المجلس الجمركي، مما يؤدي إلى تكدس البضائع في المعابر وعلى الحدود.
بالنسبة للسوق الخليجية المشتركة، وعلى الرغم من انطلاقتها الحديثة، وكما أسلفت في مطلع العام الماضي 2008، إلا أنه في رأيي عدد كبير من المختصين في الشأن الاقتصادي، لأن تصبح أكثر فاعلية وتتمكن من تحقيق الأهداف المنشودة من إنشائها، يتوجب الأمر التوصل إلى عملة خليجية واحدة، حيث إن الفروق بين العملات من دولة إلى أخرى يخلق اختلالات نقدية، كما أن تفاوت البدء الفعلي في تطبيق إجراءات السوق الخليجية المشتركة من بلد خليجي إلى آخر، يتسبب في إعاقة تطبيق نظام السوق الحرة بالكامل، هذا إضافة إلى أن البعض يرى بأن الأنشطة المسموح بمزاولتها في السوق محدودة بعض الشيء وبحاجة إلى إعادة النظر في توسيع أنشطتها ومجالاتها، بالشكل الذي يمكن من مضاعفة حجم التبادلات والاستثمارات التجارية بين دول المجلس، كما أن تفاوت معدلات التضخم بين اقتصاديات دول المجلس، وكذلك تفاوت أرقام الناتج المحلى ومعدلات النمو، قد تشكل مشاكل إضافية أمام اكتمال منظومة السوق.
من بين المشاكل كذلك التي تواجه مسيرة التكامل الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي، ضعف التوعية الإعلامية، المرتبطة بتوعية المواطن الخليجي، بمستجدات التكامل الاقتصادي، بالشكل الذي يمكنه من الاستفادة من فوائد ومنافع ذلك التكامل، ويجعله على دراية كافية بالحقوق والالتزامات المترتبة عن المواطنة الخليجية، وبالذات تلك التي لها علاقة مباشرة بمسيرة التكامل الاقتصادي، الأمر الذي يتطلب في رأيي إحاطة المواطن الخليجي بجميع مستجدات التكامل الاقتصادي، من خلال إقرار خطة إعلامية مكثفة تستهدف إحاطته بتلك المستجدات أولاً بأول بشكل منظم ومنتظم.
خلاصة القول، إن الظروف المالية العالمية والاقتصادية الصعبة، التي يشهدها الاقتصاد العالمي، تفرض الحاجة الملحة على دول مجلس التعاون الخليجي بتسريع الانتهاء من خطوات التكامل الاقتصادي مقارنة بأي وقت قد مضى، الأمر سيمكن في رأيي تجنيب اقتصادات دول المجلس تداعيات تلك الأزمة، وفي رأيي كذلك أن تفعيل ورقة العمل التي قدمتها الأمانة العامة أمام الاجتماع التشاوري الاستثنائي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية الخليجية، الذي عقد في الرياض بتاريخ 25 تشرين الثاني (أكتوبر) من العام الماضي 2008، والتي تحدثت عن المنافذ والآثار المحتملة للأزمة المالية العالمية على دول المجلس وسبل التعامل معها، والتي نشرت كامل تفاصيلها في جريدة "الاقتصادية" في العدد 5494، سيساعد دول المجلس على التعامل مع الآثار المحتملة لتلك الأزمة، بما في ذلك تفعيل خطوات التكامل الاقتصادي بالشكل المطلوب الذي يعود بشمولية النفع على دول المجلس وشعوبها، والله من وراء القصد.